سيد محمد طنطاوي
348
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
للحساب والجزاء ، لاعتقادهم بأنه لا بعث بعد الموت ، ولا ثواب ولا عقاب - كما حكى القرآن عنهم ذلك في آيات كثيرة منها قوله - تعالى - قالُوا أَإِذا مِتْنا وكُنَّا تُراباً وعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ . فالمقصود من الآية الكريمة ، تشبيه حال هؤلاء اليهود في شدة إعراضهم عن العمل للآخرة . . بحال أولئك الكفار الذين أنكروا إنكارا تاما ، أن هناك بعثا للأموات الذين فارقوا الحياة ، ودفنوا في قبورهم . وعلى هذا الوجه يكون قوله - تعالى - : * ( مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ) * متعلق بقوله * ( يَئِسُوا ) * و * ( مِنَ ) * لابتداء الغاية . ويصح أن يكون قوله - تعالى - : * ( مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ) * بيانا للكفار ، فيكون المعنى : قد يئسوا من الآخرة ، وما فيها من جزاء . . . كما يئس الكفار الذين ماتوا وسكنوا القبور ، من أن ينالوا شيئا - ولو قليلا - من الرحمة ، أو تخفيف العذاب عنهم ، أو العودة إلى الدنيا ليعملوا عملا صالحا غير الذي أرادهم وأهلكهم . وعلى كلا القولين ، فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة قوم غضب اللَّه عليهم ، بأبلغ أسلوب ، وأحكم بيان . حيث وصفت هؤلاء القوم ، بأنهم قد أحاط بهم غضب اللَّه - تعالى - بسبب فسوقهم عن أمره ، وإعراضهم عن طاعته ، وإنكارهم للدار الآخرة وما فيها من جزاء . وبعد فهذا تفسير لسورة « الممتحنة » نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر صباح السبت : 2 من رمضان 1406 ه 10 من مايو 1986 م كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوي